الحكاية الشعبية الدكالية بين الأمس واليوم

الحكاية الشعبية الدكالية بين الأمس واليوم

الجديدة بريس

الحكايات الشعبية من أكثر مجالات التراث الشعبي ثراءً وأكثرها نقلا للقِيَم والمعارف المجتمعية. لقد كان القصَصُ الشعبيُّ متعة الأسرة القروية كما الحضرية، ولم يخل بيت أو حومة أو قبيلة من ذاكرة قوية ولسان يُجيد الحكيْ والمُسامرة، بل امتلكت بعض فئات المجتمع رواة خاصين بهم، واستعمل بعضهم من يَستنسِخ لهم السِيَرَ والحكايات حتى تكون في متناول أيديهم.
وما من شك في أن بلاد دكالة، بسبب موقعها الجغرافي وما تعاقب على أرضها من شعوب وقبائل وأحداث، قد شهدت ميلاد واندثار أساطير وملاحم وسير وحكايات شعبية لا حصر لها، ذهبت بذهاب حفظتها ورواتها.
عرفت دكالة حكايات كثيرة من بينها: “سيحت الليل”، “خوّان الشاوية وخوان دكالة”، “هينة”، “السّارح”، “كيد النسا”، “تفاح لعاݣرات”، “حديدان ولغولة”، “خلالة خضرة”، “رطل ونص رطل”…وقد تَخَفَّتْ أنواع أخرى من حكايات دكالة تحت غطاء نصوص تاريخية مكتوبة وهو ما ظهر لنا جليا في قراءتنا، على سبيل المثال، لكتاب: “الحلل البهيجة في فتح البريجة وسيرة الملك الهاشمي سيدي محمد بن عبد الله”.
وما تزال الحكاية الشعبية في دكالة تُقاوم عوادي الزمن، مُتشبثة هنا وهناك بذاكرةٍ فرديةٍ معزولةٍ في هذا الدوّار أو بين أفراد تلك الجماعة ممن يُحسنون الحكي والرواية وضرب المثل، فتراهم في المَواسِم والأسواق وبعض المناسبات العائلية والاجتماعية يتوسطون مستمعيهم. غير أن لا أحد يستطيع إنكار أن الكثير من الشروط المجتمعية والثقافية والاقتصادية التي كانت الحكاية الشعبية تجد لنفسها فيها المَوْئِل والبيئة المناسبة، كل تلك العوامل الملائمة للحكي ذهبت واختفت. تَغيَّر وَجهُ المجتمع الدكالي كما تغيَّرت في العمق الكثير من أنماط الحياة المتوارثة فيه، وهو في هذا التحَوُّل والتغيُّرِ ليس استثناء فريدا أو حالة شاردة، فالمجتمعات التقليدية عرفت كلُّها منذ عقود طويلة استبدال علاقات اجتماعية بعلاقات مختلفة، وأعيد توزيع الكثير من الأدوار داخل المجتمعات، وتغيرت التراتبيات والأولويات تبعاً لِما أدخلته التقنيات الجديدة من وسائل وأدوات (وسائل النقل والاتصال وغيرها كثير)، فلم يعد الأجْدادُ والجَدّات في مركز نظام العائلة، إلا في أمور قليلة (رمزية في الغالب)، ولم تبق المعرفة دفينة ذاكرة الناس الذين ألمّوا بالدنيا وخَبَروا الحياة وتقلبوا في محنها وتجاربها تقلباً فعليا ويوميا، بل سار التعليم (بالكتابة) هو باب المعرفة، وأضحت الشهادة التعليمية دليل حيازة نوع من المعرفة المؤهلة لمنصب اجتماعي به يكون الواحد قادرا على اعتلاء مقام الكلام، بل حدثت في المجتمع تحولات قيمية أجلست صاحب الجاه مجلس المُتكلّم: الخبير والناصح والعارف.
يتعلق الأمر إذن، بعالَمَيْن ثقافيين متباعديْن إلى حد بعيد يكاد لا يعرفُ بعضهما بعضا: عالم دكالة في زمن الحكايات الشعبية، بل في زمن المجتمع المُستند إلى الحكاية وإلى الحِكمة القديمة التي كانت تخرج من أفواه الرواة أشبه بالوصايا المغلّفة بطبقة حلوة من فتنة السرد؛ وعالم ثان هو المعيش الآنيُ الفارغُ من الحكاية الشعبية (لا يحتاجها/لا يعرف قيمتها/لا يستعملها أو يوظفها…)، في هذا الأخير يصمت الرواة أو يكادون، وتُستبدل الجَدّات بأجهزة عصرية لا ينضب معينها غير أن حكمتها تكاد تكون بدون طعم أو لذة لأنها لا تنتمي في أغلب الأحوال إلى روح المجتمع وجوهره وتقاليده.
والحق أن لكل زمن حكاياته، وأن التراث لا يتوقف عن التجدد والتنوع و”التبدل” و”الاغتناء” على صعيد صوره الظاهرة بأنواع أخرى من الحكي وأشكال حديثة من الشفهية، غير أن قوة الحكاية الشعبية كانت في أساسين اثنين خَفِيَيْن إلى حد بعيد:
– الأساس الأول قيمي، وهو الذي قامت عليه الحكاية وبقيت تنطق به وتعمل على غرسه في المجتمع من غير تكلف ولا إكراه، تنقل بها الأجيالُ، إلى بعضها البعض، مبادئَها وأخلاقها وخلاصات تجاربها بيُسر ومتعة. ولعله كان في ممارسة الحكي تحت جنح الظلام ما فيه من الاحتماء بالليل لتسليم حِكمة السلف وتراثهم الرمزي إلى الخلف بعيدا عن عيون الرقباء، كأنه ثروة وكنز جماعي تجب صيانته. والحق أن حمولات الحكايات ومضامينها من القيم كانت كنوزا حقيقية. من ثم، انتمت الحكاية إلى المجتمع الدكالي وإلى بيئته (بيئاته)، فهي منه بالمعجم والمعاني والقِيم.

– الأساس الثاني، يتمثل في فَعّالية الحكاية efficacité إذ بقيت تُغذّي بيُسر التضامن المجتمعي وتعزز صلابة العلاقات بين الأفراد، فزمن الحكاية الشعبية كان زمن اجتماع وتقارب وتآلف، يتعزز بفضل حالة التواطؤ التي تجعل المُستمع يعرفُ نهاية القصة من غير أن تفسد عليه تلك المعرفة القَبْيَلة متعة الاستماع، كما أن الحاكِيَة أو الحاكي (الراوي) يعرفُ أن مستمعيه تغلب عليهم على العموم المعرفة بتفاصيل الحكاية من غير أن يمنعه ذلك من شد الانتباه وأسر عقول وحواس مستمعيه، فكأنما قوة الحكاية ليست فقط في عباراتها بل تكمن أيضا (وربما أكثر) وفي أسلوب الراوي، وفي صوته وإيماءاته وحركاته. وكأنما فعاليتها (فعالية الحكاية الشعبية) في قدرتها أيضا على جمع أفراد الجماعة حول سِرٍّ مَحكي يعرفونه ويريدون الاستماع إليه، يلتقون في المكان اللائق والزمن المناسب ليعيدوا اكتشافه جميعا.
هذان عنصران أساسيان، من بين عناصر أخرى. وهما عاملان مُميزان للحكاية الشعبية في علاقتها قديما بالمجتمع الدكالي، وهما عنصران يُظهران قوة الممارسات المتوارثة وصعوبة أن تقوم مقامها أدوات مستحدثة إلا إذا أحسن استعمالها، ولعل فيهما ما يُفسر اعتبارَ اليونسكو بعض أفراد المجتمع “كنوزا بشرية حية”.
نجحت الحكايات الشعبية طويلا في بَسْط سُلطانها وفتنتها على الرواة كما المستمعين، ولعل هذا من بعض المعاني التي يشير إليها الحلايقية عندما يتكلمون عن “الحال” أي الوقوع في أسْر وغواية الحكاية. وعدم قدرة الحكواتي على القيام بشيء آخر غير الحكي.
وهو أيضا أشبه ما يكون بذلك التجدد الذي صورته الثقافة المشرقية (ثم العالمية) في حكاية ألف ليلة وليلة وبطلتها شهرزاد، وقد تحققت تلك البطولة طيلة قرون كثيرة في جداتنا وأمهاتنا في بلاد ودكالة وفي مناطق كثيرة من العالم.
وقد ظلت الحكاية تتجدد في دكالة إلى أن بسطت الكهرباء سلطانها، وظهرت قوتها، فأجلست جهاز التلفزيون في قلب البيت مكان الجَدّة، ثم كان الهاتف المحمول فصار هو نفسه “شهرزاد” زمانِه الناطقَ بأصنافٍ مختلفة من الحكايات.
وبعد، في حكاية دكالية تحمل بطلتها اسم “هينة”، وهي حكاية معروفة في مناطق أخرى من المغرب (من بينها الشاوية والحوز)، ولها أشباه في مناطق أخرى من العالم، نجد هذه الوصية الدالة والمُعبرة والتي تلخِّص روحا قروية جَرَّبَت الدنيا:
«هينة يا هينة ايلا لݣيتي شي حجيرات يتكامشو لا تدوزو بيناتهم، وايلا لݣيتي شي غربا يتكامشو لا تفكوهم، وايلا لݣيتو شي ظليل بارد لا تقعدو تحتو»
هاينة يا هينة، إذا قابلتم حجارة تتصارع لا تمروا بينها، وإذا صادفتم غرابيب تتقاتل لا تفصلوا بينها، وإذا عثرتم على ظِل صغير بارد لا تجلسوا تحته.

*رضوان خديد
باحث في الأنثروبولوجيا وعلم المتاحف