كلمة الدكتور مصطفى الكتيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في  أربعينية الراحل عبد الحق القادري

كلمة الدكتور مصطفى الكتيري

المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير

في  أربعينية الراحل عبد الحق القادري

 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد النبي الهادي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين

يقول المولى سبحانه وتعالى في  محكم كتابه المبين:” من المؤمينين رجال صدقوا بما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا” صدق الله العظيم.

السيد مؤرخ المملكة، الناطق الرسمي باسم القصر الملكي ومحافظ الضريح؛

السيد عامل إقليم الجديدة؛

السيدة لوبابة القادري، رفيقة حياة فقيدنا العزيز وأنجاله وإخوانه وبنو عمومته وأهله وذويه ومحبيه،

السيد رئيس المجلس العلمي المحلي؛

السيد رئيس منتدى دكالة للفكر والإبداع والتنمية؛

السيد رئيس جمعية دكالة؛

السيد عضو الرابطة المحمدية للعلماء؛

السيد الأستاذ عبد الكريم كريم،رئيس جمعية المؤرخين المغاربة.

 

نقف في هذه اللحظات الخاشعة والمهيبة على برزخ فارق بين الدنيا والآخرة، نقف عند الدرج الأخير من الدار الفانية وأول أدراج الدار الباقية…..نقف عند حدود حياة رجل فارقنا إلى دار الخلد و البقاء وقد خلف في نفوسنا منه بقية، و هي حكمة ربنا جل وعلا في قوله عز من قائل  : ” وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً “. رحل عن هذه الدنيا الآئلة  إلى زوال التي  قال عنها خير البرية سيدنا محمد  صلى الله عليه وسلم ” الدنيا عرَضٌ حاضر، يأْكُل منه البَرُّ والفاجر، والآخرة وَعْد صِدْق يحكم فيها ملك قادر، يفصل الحقّ من الباطل”.

وقْع الغياب لازال باديا على الوجوه، وآثار الفراق الأبدي تسم مَحَايِ أفراد العائلة القادرية الشريفة، والوجوم والحوقلة كانا ملاذ أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وسائر أرجاء الوطن والمجتمع المغربي عموما والجديدي  والدكالي  على الأخص.

       ونحن نلتئم في هذه الأجواء الخاشعة والمهيبة والمؤثرة، وفي هذه اللحظات المزدانة بهذا الحضور الكبير والحاشد والنوعي من كل الأجيال والأعمار في هذا المحفل التأبيني من محبي الفقيد ومقدري أفضاله ومن  المعضدين نفسيا لعائلته الصغيرة والكبيرة وهم كثر من أوسع الأطياف والمشارب والفئات السوسيو-ثقافية، وفدوا وحضروا فرادى وجماعات لأجل الدعاء  بالأجر والثواب و المغفرة والرضوان للفقيد الذي أحزننا فراقه ولثم قلبنا غيابه ومرجعنا في هذا الجمع المبارك الذي نتضرع فيه أن يسكنه تعالى في فسيح جنانه وأن تكون الفردوس مقامه، مستحضرين قول إبراهيم عليه السلام : ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) ، وقول نوح عليه السلام : ( رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ) وقول ربنا عز وجل لنبيه الكريم محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ).

في هذا المقام المفعمة أجواءه بالإيحاءات و النفحات الروحانية، وفي لقاء الوفاء والبرور نذكر ونتذكر رجلا أحببناه بصدق ورفيق حياة خبرناه وفاعل خير بلوناه ومواطنا صالحا واكبناه في مثاليته وإيمانه وصوفيته وطيبوبة أخلاقه وصفاء سريرته وصدق طويته وبشاشة وجهه ولطف معشره وحسن أحدوثته وسمو مقاصده، وهي وغيرها خصال وسجايا ما اجتمعت إلا فيمن أحبهم الله من خلقه.

       فقيدنا العزيز، مكرمنا والمحتفى به في لحظة الاستغفار والاسترحام هذه،  هو سليل عائلة شريفة،وطنية ومناضلة ومقاومة، إذ كان والده المرحوم سيدي عبد الواحد القادري علما من أعلام الحركة الوطنية والنضال الوطني والمقاومة بمدينة الجديدة، وأمين مال فرع حزب الاستقلال في الأربعينيات والخمسينات من القرن الماضي وأحد أعمدة التعليم الوطني الحر بإشرافه على مدرسة التهذيب الذائعة الصيت والعميمة الفضل على العديد من الشخصيات الوطنية المدنية والعسكرية التي نهلت من تعليمها ومداركها ومعارفها والتي حافظت عليها إلى اليوم العائلة القادرية.

       في مدرسة التهذيب، كانت خطواته الأولى في  ميدان التعلم والتفقه والتحصيل وبالعاصمة الرباط احتضنته المدرسة المولوية  إلى جانب الأمراء مولاي الحسن ومولاي عبد الله، حيث سيتابع المشوار التعليمي و الذي  بدت طلائع النبوغ والتميز فيه تتشكل وتنمو، ليستكمل المشوار  بأكاديمية سان سير العسكرية الفرنسية، حيث سيكون من حسن الطالع أن حمل فوجه لدى تخرجه اسم فوج محمد الخامس. مشوار فقيدنا في مضمار العلم لم يتوقف إلا بعد أن صعدت الروح إلى باريها لقد كان مؤمنا بأن العلم يؤخذ من المهد إلى اللحد.  فالراحل  كما عرفته أديبا شغوفا، كانت القراءة هوايته  ومطالعة الجديد من الإصدارات  مطمحَه، والنهلُ من أمهات الكتب متعته. لم يكن أحادي التوجه الفكري، فقراءاته كانت تتوزع على جل العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب وفلسفة ورواية ومقاصد الشريعة الإسلامية. كان رحمه الله موسوعي الثقافة والمعرفة لا يحصر نفسه في خانة عِلمٍ محدد، يجيد الإنصات في مجمع العلماء و المفكرين و المحاضرين، إن بحثت عنه خارج منزله ومكتبه فإنك تجده في مجمع علمي او فضاء فكري وثقافي او في  دار كتاب  يتصفح الجديد، ولم تكن تعجزه في ذلك المسافات، فكتاب بالرباط أو الدار البيضاء أو غيرهما من المدن لم يكن ليثنيه عن سعيه ونهجه.

لا محالة أن قيمه حب العلم والعلماء والفقه والفقهاء متأصلة في العائلة القادرية الشريفة التي أبت إلا أن تكرس ذلك التقليد العائلي المتوارث المتمثل في وهب بعض من متاع الدنيا للعلم، وهذا تقليد مغربي أصيل متجذر في العائلات ذات النزوع الصوفية والتي كان من تقاليدها ما كان يعرف بالوقف لصالح بيوت الله وطلبة العلم، إذ نجدها تخصص بيت العائلة ومنزل الوالدين  لاحتضان مؤسسة سيدي عبد الواحد القادري للثقافة والأبحاث ، التي تعد بحق نقلة نوعية وقيمة مضافة تستجيب لتطلعات وطموحات المجتمع الجديدي، الثقافي والأكاديمي والإبداعي والفكري، والتي ولا شك ستحرص و ستسهر العائلة على أن تستمر في أداء واجبها الوطني التعبوي و التربوي.

       وستظل هذه المؤسسة ومدينة الجديدة ممنونة لفقيدنا العزيز ولعائلته الكريمة بهذه الأيادي البيضاء والمآثر الخالدة وهذا الفيض من المبرات والمكرمات والأعمال الصالحات.

   وأنا أتأمل حياة فقيدنا سواء مما شهدته وعشته  شخصيا من خلال تواصلي الدائم و المستمر غير المنقطع معه، أو من خلال ما تتناقله  وتلهج به ألسن الخير؛ أن الرجل كان يضع نصب عينه آية من كتاب الله قلما يلتفت إليها الإنسان؛ وأقصد الآية الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم ” وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم ِمن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلاَ أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ”.

فقيدنا المرحوم كان ورعا متصدقا ساعيا للخير محبا للغير جاعلا نصب عينيه هذه الآية التي تعد من أشد الآيات وطأة على أهل التوحيد، تخيلوا أن مطمح  وأمل الميت وروحه قد فاضت، ليس لقاء حبيب تركه ولا مال كان قد اكتنزه ولا إلى صلاة كان قد تخلف عن أدائها في وقتها، أمنيته الوحيدة هو  أن يمنح برهة من الزمن كي يفعل ماذا؟ ليصَّدَّق، نعم ليعطي صدقة قال فيها سبحانه وتعالى ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ“.  من معدن وطينة الأخيار،  كان فقيدنا  العزيز يجود ويسخي بما ملكت يداه ويمناه في السر  و العلن امتثالا لقوله تعالى ” قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ”

فقيدنا إلى جانب حنوه وعطفه وأياديه البيضاء على كل من طرق باب آل القادري، فقد كانت له ميزة مثلى، ألا وهي التعلق ببيوت الله، كيف لا و الرجل كان مدمنا عل اقتناء الموسوعات الإسلامية  والإبحار في متونها، ولا بد أنه قرأ فيها الحديث النبوي الشريف الذي رواه الشيخان البخاري ومسلم  عن السبعة الذين يَظَلُّهم الله يوم لا ظِل إلا ظِلُّه ومن ضمنهم “رجل  قلبه معلق بالمساجد”، فالمرحوم يحسب له في هذا الباب بناؤه لبيتين من بيوت الله يذكر فيهما اسمه وتقام فيهما شعائره أحدهما مسجد التوفيق بالدار البيضاء و الثاني مسجد بحي السعادة بمدينة الجديدة. فضلا عن رعايته ودعمه لمساجد أخرى ومنها مسجد المسيرة بحي  سيدي موسى الذي أقيم بحي صفيحي على الهامش وشكل بحق فاتحة خير وإصلاح على ساكنته بعد تهيئته في مشروع حي المسيرة.

       ومما زاد من ارتباطي بالفقيد وكذا بإخوانه وعائلته متانة وعمق العلاقة التي جمعت بين والده سيدي عبد الواحد القادري ووالدي مولاي العباس الكتيري الإدريسي اللذين كانا معا من مناضلي الساعات الأولى في الحركة الوطنية بالجديدة ومن داعمي التعليم الوطني الحر وتربية وتنوير الأجيال.

وليس من الغريب في  الراحل وهو سليل أسرة فيها الوطنية أصل، أن تكون له أيادي بيضاء ومكرمات على أسرة المقاومة وجيش التحرير التي أسبغ عليها دوما وأبدا عطفه وحذبه وأولاها مواقف محفزة ومشجعة على تدوين وتوثيق الذاكرة التاريخية الوطنية والمحلية، باعتبارها مكونا أساسيا للرأسمال اللامادي الروحي والقيمي لبلادنا.

والمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير عازمة على تجسيد المزيد من  فيض الوفاء والبرور وترسيخ ثقافة الاعتراف والعرفان لوجه من الوجوه الوازنة والمتميزة الذي تعتز به أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وذلك بإطلاق اسمه على إحدى المؤسسات أوالأماكن العمومية بمدينة الجديدة ، فالرجل رحمه الله  يستحق لمسة والتفاتة التكريم عربون وفاء وبرور بمناقبه  الحميدة  وخدماته الجلى وعطاءاته  بدون حدود وبلا حساب لبني وطنه ومجتمعه ومدينته التي أحبها وأحبته والتصق بهمومها وآمالها وأغدق عليها من كرمه فحق علينا  اليوم ان نبادله الإكرام والإنعام بهذا المحفل التأبيني والتكريمي وذلك أضعف الإيمان.

       فاللهم ارحم فقيدنا العزيز مولاي سيدي عبدالحق القادري وأغدق عليه شآبيب الرحمة  و المغفرة والرضوان وجزيل الثواب وحسن المآب مع  الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

” يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية وادخلي في عبادي وادخلي جنتي “.

صدق الله العظيم

والحمد لله رب العالمين

و إنا لله وإنا إليه راجعون

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته