سياسة واقتصاد

صفقات الحراسة بالمستشفيات بين حماية المرفق العمومي وإقصاء المقاولات الصغرى

الجديدة بريس

في سياق الإصلاحات التي يعرفها قطاع الصحة بالمملكة المغربية، وفي ظل التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى دعم الاستثمار وتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، يطرح الإعلان الأخير المتعلق بصفقة حراسة المؤسسات الصحية على مستوى جهة الدار البيضاء ـ سطات مجموعة من التساؤلات المشروعة حول مدى احترام روح هذه التوجيهات الملكية ومبادئ المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص بين المقاولات.

لقد اعتادت المؤسسات الصحية خلال السنوات الماضية على اعتماد صفقات مجزأة أو منفصلة، تسمح بمشاركة عدد مهم من المقاولات الوطنية، خاصة الصغرى والمتوسطة منها، وهو ما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى خلق فرص الشغل وتحفيز النسيج الاقتصادي المحلي. غير أن الصفقة الجديدة التي تم الإعلان عنها مؤخرا جاءت بصيغة موحدة وعلى نطاق جهوي واسع، مما أدى إلى تضخم حجمها المالي والتقني بشكل يجعل الولوج إليها شبه مستحيل بالنسبة لغالبية المقاولات الصغرى والمتوسطة العاملة في مجال الأمن الخاص.

إن تجميع هذه الصفقات في صفقة واحدة كبرى يطرح علامات استفهام عديدة حول جدوى هذا التوجه، خصوصا وأنه يؤدي عمليا إلى تقليص عدد الشركات المؤهلة للمشاركة، وحصر المنافسة في عدد محدود جدا من الشركات الكبرى، وهو ما قد يتعارض مع مبدأ توسيع قاعدة المنافسة الذي يشكل أحد مرتكزات الحكامة الجيدة في تدبير الصفقات العمومية.

كما أن بعض الشروط التقنية والإدارية المدرجة ضمن دفتر التحملات، حسب مهنيين في القطاع، قد تساهم بشكل مباشر في إقصاء عدد كبير من المقاولات، الأمر الذي يثير مخاوف حقيقية بشأن مستقبل العشرات من الشركات الوطنية التي توفر فرص عمل لآلاف المستخدمين وتساهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي لعدد مهم من الأسر المغربية.

إن الخطابات الملكية السامية أكدت مرارا على ضرورة دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة، باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد الوطني، حيث دعا جلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى تمكين هذه المقاولات من الولوج إلى الصفقات العمومية وخلق مناخ اقتصادي عادل يضمن التنافس الشريف ويعزز الاستثمار الوطني.

وفي هذا السياق، يتساءل عدد من الفاعلين في مجال الأمن الخاص عن مدى انسجام هذه الصفقة مع التوجهات الملكية ومع السياسات العمومية الرامية إلى دعم النسيج المقاولاتي الوطني، خاصة وأن تجميع الصفقات قد يؤدي إلى إقصاء شركات ما زالت عقودها سارية أو تستوفي الشروط المهنية والقانونية اللازمة لمزاولة نشاطها.

كما أن المهنيين يطالبون بضرورة إعادة النظر في طريقة إعداد هذه الصفقات، واعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار مصلحة المرفق العمومي من جهة، وضمان استمرارية المقاولات الوطنية وحماية مناصب الشغل من جهة أخرى.

وأمام هذه المعطيات، يوجه مهنيون في قطاع الحراسة نداء إلى السيد وزير الصحة والحماية الاجتماعية من أجل التدخل العاجل لإعادة تقييم هذه الصفقة، والنظر في مدى توافقها مع التوجيهات الملكية ومع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، خاصة في ظل سوابق إلغاء أو مراجعة بعض الصفقات العمومية عندما تبين أنها لا تخدم المصلحة العامة بالشكل المطلوب.

إن حماية المرفق الصحي وضمان أمنه يظل هدفا أساسيا لا يختلف عليه أحد، غير أن تحقيق هذا الهدف يجب أن يتم في إطار احترام التوازن الاقتصادي والاجتماعي، وضمان مشاركة أوسع للمقاولات الوطنية، بما يعزز التنمية الاقتصادية ويحافظ على الاستقرار الاجتماعي.

ويبقى الأمل معقودا على أن يتم فتح نقاش مسؤول حول هذه الصفقات، بما يضمن تحقيق الجودة في الخدمات المقدمة للمواطنين، وفي الوقت ذاته يحافظ على حقوق المقاولات الوطنية التي تشكل شريكا أساسيا في إنجاح السياسات العمومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى