الحياة المدرسية، إمكانية للتغيير

el jadida presse

الحياة المدرسية، إمكانية للتغيير

بقلم بوعزة خطابي

تعتبر المدرسة التي ينشدها الميثاق الوطني مفعمة بالحياة والإبداع والعمل الجماعي في تحمل المسؤولية تسييرا وتدبيرا، كما أنها مدرسة اللوك المدني و المواطنة الصالحة والديمقراطية وحقوق الإنسان، يتمتع فيها المتعلم بحياة التلمذة من خلال المشاركة الفعالة في أنشطتها مع باقي المتدخلين التربويين وشركاء المؤسسة، الداخليين والخارجيين.

 و تبقى الحياة المدرسية في حاجة ماسة إلى مساهمة كل الفاعلين و الشركاء لتفعيلها وتنشيطها قصد خلق مدرسة حديثة مفعمة بالحياة، قادرة على تكوين إنسان يواجه التحديات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، فمامفهوم الحياة المدرسية؟ وما هي مقوماتها؟ وماهي غاياتها وأهدافها الأساسية؟ ومن هم المتدخلون في تفعيل وتنشيط الحياة المدرسية؟

  • المفاهيم الأساسية:

  أ‌- التفعيل:تسعى كل المجتمعات، وخاصة المجتمع المغربي، أن تكون المدرسة فعالة وفاعلة. وذلك بتغيير الواقع والسير به نحو آفاق رحبة مفعمة بالتنمية والنهضة الحقيقية. ولن يتم هذا الهدف الإيجابي إلا إذا كان هناك تفعيل حقيقي للحياة المدرسية. والتفعيل هو جعل المدرسة مؤسسة فاعلة ومبدعة وخلاقة ومبتكرة، غير مكتفية بالشحن والتلقين. و هذا التفعيل قد يكون خارجيا أو داخليا ذاتيا، فيتم تفعيل المدرسة خارجيا من خلال المشاركة والتعاون بين المؤسسة وشركائها الاقتصاديين والاجتماعيين وكافة المجتمع المدني. و التفعيل هنا يكون بمعنى التغيير والتحريك الإيجابي عن طريق خلق شراكات ومشاريع مع المؤسسة وتحفيز المبادرة الفردية أو الجماعية لتنشيط المدرسة وتفعيلها إيجابيا. وقد يكون هذا التفعيل ذاتيا من قبل المتعلم في علاقته مع الإطار التربوي أو الإداري أو زميله المتعلم داخل فضاء المدرسة.

  ب‌- التنشيط: يقصد بالتنشيط ذلك الفعل الإيجابي الذي يساهم في تحريك المتعلم وتحرير طاقته الذهنية والوجدانية والحركية، والمساهمة كذلك في تفتيق المواهب والقدرات المضمرة أو الظاهرة الموجودة لديه.

  ويقصد بالتنشيط عادة تلك” الأنشطة الثقافية والاجتماعية والثقافية والرياضية المختلفة التي يمارسها الإنسان بكيفية حرة وتطوعية خارج أوقات العمل المعتادة مع جماعة معينة من أمثاله، وبتوجيه من شخص يكون في الغالب متخصصا بالتنشيط، يشرف على هذه الأنشطة ويسهر على تنفيذها قصد تحقيق أهداف تربوية واجتماعية وأخلاقية”.

  ج- الحياة المدرسية:تعتبر المدرسة مجتمعا مصغرا ضمن المجتمع الأكبر، يقوم بتربية النشء وتأهيلهم للاندماج في المجتمع. كما تعتبر المدرسة ذات وظيفة سوسيولوجية وتربوية هامة، فهي فضاء يقوم بالرعاية والتربية والتنشئة الاجتماعية وتكوين المواطن الصالح، فالمدرسة فضاء تربوي وتعليمي، وأداة للحفاظ على الهوية والتراث ونقله من جيل إلى آخر، كما أن للمدرسة أدوار فنية وجمالية وتنشيطية أخرى إذ” تتحمل مسؤولية إعطاء التلاميذ فرصة ممارسة خبراتهم التخيلية وألعابهم الابتكارية التي تعتبر الأساس لحياة طبيعية يتمتعون فيها بالخبرة والحساسية الفنية”.

 وهكذا يتبين لنا أن للمدرسة وظيفة تعليمية وتربوية وتنشيطية. لكن ماهي الحياة المدرسية؟

 يقصد بالحياة المدرسيةla vie scolaireتلك الفترة الزمنية التي يقضيها التلميذ داخل فضاء المدرسة، وهي جزء من الحياة العامة للتلميذ/ الإنسان. وهذه الحياة مرتبطة بإيقاع تعلمي وتربوي وتنشيطي، متموج حسب ظروف المدرسة وتموجاتها العلائقية والمؤسساتية. وتعكس هذه الحياة المدرسية مايقع في الخارج الاجتماعي من تبادل للمعارف والقيم. وتعتير”الحياة المدرسية جزءا من الحياة العامة التي تستدعي التجاوب والتفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والقيم الاجتماعية والتطورات المعرفية والتكنولوجية التي يعرفها المجتمع، حيث تصبح المدرسة مجالا خاصا بالتنمية البشرية. والحياة المدرسية بهذا المعنى، تعد الفرد للتكيف مع التحولات العامة والتعامل بإيجابية، وتعلمه أساليب الحياة الاجتماعية،مما يعكس الأهمية القصوى لإعداد النشء، لممارسة حياة قائمة على اكتساب مجموعة من القيم داخل فضاءات عامة مشتركة”.

 ويمكن النظر إلى الحياة المدرسية من زاويتين متكاملتين ومتميزتين عن الحياة العامة للمتعلم التي يعيشها في مؤسسات خارجية موازية للمدرسة.

 – أولا، الحياة المدرسية” باعتبارها مناخا وظيفيا مندمجا في مكونات العمل المدرسي يستوجب عناية خاصة ضمانا لتوفير مناخ سليم وإيجابي يساعد المتعلمين على التعلم واكتساب قيم وسلوك مدني. وتتشكل هذه الحياة من مجموع العوامل الزمانية والمكانية، والتنظيمية، والعلائقية، والتواصلية، والثقافية، والتنشيطية المكونة للخدمات التكوينية والتعليمية التي تقدمها المؤسسة للتلاميذ”.

 – وثانيا، الحياة المدرسية” باعتبارها حياة اعتيادية يومية للمتعلمين يعيشونها أفرادا وجماعات داخل نسق عام منظم، ويتمثل جوهر هذه الحياة المعيشية داخل الفضاءات المدرسية في الكيفية التي يحيون بها تجاربهم المدرسية، وإحساسهم الذاتي بواقع أجوائها النفسية والعاطفية”.

 لكن المفهوم الحقيقي للحياة المدرسية هي تلك الحياة التي تسعد التلميذ وتضمن له حقوقه وواجباته وتجعله مواطنا صالحا. أي إن الحياة المدرسية هي مؤسسة المواطنة والديمقراطية والحداثة والاندماج الاجتماعي والابتعاد عن الانعزال والتطرف والانحراف وكل الظواهر السلبية الأخرى. وبصيغة أخرى، إن الحياة المدرسية هي التي” تسعى إلى توفير مناخ تعليمي/تعلمي قائم على مبادئ المساواة والديمقراطية والمواطنة، وهذه المبادئ تعد تعبيرا أمينا عن حقوق الإنسان وصون كرامته واحترام إنسانيته. وإذا كان مفهوم الحياة المدرسية يعنى مجموعة من التفاعلات، فإن معياره هو التمثيل العام لكل الفاعلين داخل كل مراحل التعليم.

 إذاً، فالحياة المدرسية سمة الحداثة والجودة والانفتاح والتواصل والشراكة والإبداع والخلق. يشارك فيها كل المتدخلين والفاعلين، داخلين أو خارجين. في إطار ديمقراطية الحوار بين الأفراد والجماعات والمؤسسات، وحرية التعبير والمشاركة في صنع القرار وتحمل المسؤوليات.

 2-مقومات الحياة المدرسية:

 ترتكز الحياة المدرسية على مجموعة من المقومات الأساسية تتمثل في مايلي:

 – الحياة المدرسية هي فضاء المواطنة والديمقراطية وحقوق الإنسان؛

 – هي مدرسة السعادة والأمان والتحرر والإبداع وتأسيس مجتمع إنساني حقيقي تفعل فيه جميع العلاقات والمهارات؛

 – تمثل بيداغوجيا الكفايات والمجزوءات؛

 – تحقيق الجودة من خلال إرساء الشراكة الحقيقية وإرساء فلسفة المشاريع ؛

 – التركيز على المتعلم باعتباره القطب الأساس في العملية البيداغوجية عن طريق تحفيزه معرفيا ووجدانيا وحركيا وتنشيطيا؛

 – انفتاح المؤسسة على محيطها الاجتماعي والثقافي والاقتصادي؛

 – المدرسة مجتمع مصغر من العلاقات الإنسانية والتفاعلات الإيجابية؛

 – تنشيط المؤسسة ثقافيا وعلميا ورياضيا وفنيا وإعلامياتيا، وتسخير فضاء المؤسسة لصالح التلميذ عن طريق تزيينها وتجميلها؛

 – تغيير الفضاءات المدرسية المنغلقة التي توحي بالروتين والعدائية والتطرف بفضاءات مدرسية منفتحة قوامها التحرر والإبداع والتعلم الذاتي والإحساس بالجمال والنظام والتشكيل الجمالي والبيئي.

 – علاقات أطراف النسق الإداري والتربوي مع التلميذ علاقات إنسانية أساسها الاحترام والحوار والمساواة والأخوة والعدالة والإصغاء وتحفيز روح المبادرة والتعاون التشاركي.

 3-غايات فلسفة الحياة المدرسية:

  • حددت المذكرة الوزارية رقم87 المؤرخة بـ 10 يوليوز لسنة 2003 مجموعة من الغايات والأهداف، وهي على النحو التالي:

  • إعمال الفكر، والقدرة على الفهم والتحليل، والنقاش الحر، وإبداء الرأي واحترام الرأي الآخر؛

  • التربية على الممارسة الديمقراطية وتكريس النهج الحداثي والديمقراطي؛

  • النمو المتوازن عقليا ونفسيا ووجدانيا؛

  • تنمية الكفايات والمهارات والقدرات لاكتساب المعارف، وبناء المشاريع الشخصية؛

  • تكريس المظاهر السلوكية الإيجابية، والاعتناء بالنظافة ولياقة الهندام، وتجنب ارتداء أي لباس يتنافى والذوق العام، والتحلي بحسن السلوك أثناء التعامل مع كل الفاعلين في الحياة المدرسية؛

  • جعل المدرسة فضاء خصبا يساعد على تفجير الطاقات الإبداعية واكتساب المواهب في مختلف المجالات؛

  • الرغبة في الحياة المدرسية والإقبال على المشاركة في مختلف أنشطتها اليومية بتلقائية؛

  • جعل الحياة المدرسية عامة، والعمل اليومي للتلميذ خاصة، مجالا للإقبال على متعة التحصيل الجاد؛

  • الاستمتاع بحياة التلمذة، وبالحق في عيش مراحل الطفولة والمراهقة والشباب من خلال المشاركة الفاعلة في مختلف أنشطة الحياة المدرسية وتدبيرها؛

  • الاعتناء بكل فضاءات المؤسسة وجعلها قطبا جذابا وفضاء مريحا.

 4-المتدخلون في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها:

 يحتاج تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها إلى تدخل مجموعة من المتدخلين التربويين والاجتماعيين والاقتصاديين من متمدرسين ومدرسين وإداريين ومؤطرين تربويين وجميع شركاء المؤسسة سواء الداخليين منهم كالأسرة وجمعية آباء وأولياء التلاميذ وأمهاتهم أو الخارجيين كالجماعة المحلية وشركاء اقتصاديين أو اجتماعيين وكل الفعاليات الإبداعية في المجتمع المدني

 * المتمدرسون:

 إن المتمدرس هو المحور الأساس والمستهدف من كل عملية تربوية أو تنظيمية أو تنشيطية تشهدها الحياة المدرسية. يجب أن يشارك مشاركة فعالة في مختلف هذه الأنشطة الصفية أو الموازية. والمتمدرس في التعليم الثانوي مثلا يمر بمرحلة هامة في حياته، يحتاج إلى من يهتم به من الناحية السيكولوجية للتعرف على أحواله النفسية ومساعدته ليتمكن من تجنب بعض الانحرافات السلوكية التي تحد من فعاليته في الحياة المدرسية. يجب أن نعده للمستقبل مستثمرين قدراته في الإنتاج النافع عن طريق انخراطه في مجالس المؤسسة وأنديتها الثقافية والتربوية حسب رغباته وميوله ساعين دائما إلى زيادة قدراته” على العمل في شروط ميسرة لا معسرة”.

 * المدرسون:

 يعتبر تدخل المدرسين في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها فعلا رئيسيا وفق وظائف المدرسة الجديدة التي لا تقتصر فيها وظيفة المدرسين على حشو أذهان المتمدرسين بالمعلومات الجاهزة، وإنما تتعداها إلى التكوين و التأطير والتربية على المواطنة وحقوق الإنسان وغيرها من القيم الإنسانية النبيلة، ولهذا ينبغي أن تكون هيئة التدريس هيئة متدخلة رئيسية في الحياة المدرسية قدوة ونموذجا، ومن واجبها الانخراط في مشاريع المؤسسة، وفي التنشيط المدرسي في جميع المجالات داخل الفصل أو خارجه، وذلك بتبني الطرائق البيداغوجية والديداكتيكية الملائمة التي تستجيب للحاجيات النفسية والعاطفية للمتمدرسين وتنظيم الأنشطة المندمجة والداعمة وتكوين أندية منفتحة على المجتمع المحلي والجهوي والوطني لاستقطاب الفعاليات في مجال الفكر والإبداع.

 * الإدارة المدرسية:

 إذا كان المتعلم هو المحور الأساس في العملية التعليمية/ التعلمية، وفي كل عملية تنشيطية لأنه هو المستهدف بالتكوين تكوينا سليما وصحيحا قصد تهذيبه وجدانيا وتنميته معرفيا وتحفيزه حركيا، والعمل على رعايته وتنشئته تنشئة إسلامية قائمة على المواطنة والحفاظ على الهوية والانفتاح على الإنسانية وثقافة الآخر، فإن الإدارة المدرسية تكمن أهميتها في التأطير والتنظيم والتنشيط التربوي، والعمل على تقوية التواصل بين مختلف المتدخلين في الحياة المدرسية، ونجاحها يتوقف على مدى مساهمتها في تفعيل المنظومة التربوية، واقتراح مشاريع تربوية أو مادية، مدعومة من قبل هيئة التدريس، خاصة أعضاء مجلس التدبير.

 وينبغي أن تكون هذه المشاريع مبنية على خطة تشاركية يتم من خلالها انفتاح المؤسسة على محيطها الذي يسمح لها باستثمار إمكاناتها المتوفرة. ولن يتأتى ذلك إلا إذا كانت الإدارة تؤمن بالديمقراطية والتواصل والانفتاح والشراكة، وتعمل على تحقيق حرية أكبر في إطار اللاتركيز. وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد الدريج:” يتطلب مشروع الإصلاح حرية أكبر للمؤسسات في إطار اللامركزية وتفتحها على محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وإقامتها لمشاريع تربوية وعلاقات شراكة…”.

 إن هيئة الإدارة التي نتحدث عنها هي الإدارة الفاعلة التي تتشكل من فريق متكامل، يقوده قائد يحترم المبادرة، ويشجع السلوكيات الإيجابية ويفتح الحوار مع المدرسين والآباء وشركاء المؤسسة، وهذا مايدعو إليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين:” يتمتع المشرفون على تدبير المؤسسات التربوية والإدارات المرتبطة بها بنفس الحقوق المخولة للمدرسين، وعليهم الواجبات التربوية نفسها وبالأخص: الحوار والتشاور مع المدرسين والآباء والأمهات وسائر الأولياء وشركاء المؤسسة”.

 ويلعب الحارس العام في هذا الفريق دورا حاسما ومركزيا إذا توفرت لديه الإرادة والعزيمة، ويشتغل في ظروف حسنة، بحكم موقعه وقربه من جميع المتدخلين في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها.

 * مجالس المؤسسة:

 تحتل الفرق التربوية في المؤسسات التعليمية مكانة بارزة في تنظيم الحياة المدرسية وتنشيطها، وتتمثل في إبداء الملاحظات والاقتراحات حول البرامج والمناهج، وبرمجة مختلف الأنشطة الثقافية والاجتماعية والرياضية وتحيين الإمكانيات والتدابير اللازمة لتنفيذها وغير ذلك من الأعمال التنظيمية والتربوية و”اعتماد الفرق التربوية بمختلف الأسلاك كآليات تنظيمية وتربوية لمن شأنه أن يقوي فرص نجاح التغييرات المرغوب فيها، ولضمان فعالياتها وانتظام أنشطتها تحدد بشكل دوري مهام هذه الفرق وطبيعة أعمالها ووظيفتها الاستشارية في تنشيط الحياة المدرسية….”

 أما مجالس المؤسسة فتحددها المادة 17 من المرسوم الوزاري رقم 2.02.376 بتاريخ 17 يوليوز 2002 تحت عنوان” مجالس تدبير مؤسسات التربية والتعليم العمومي“.

 ونجد في دليل الحياة المدرسية عدة مهام موكولة لهذه المجالس، نذكر منها على سبيل المثال بعض مهام مجلس التدبير، هذا المولود الجديد في الساحة التعليمية الذي جاء لتفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها، وذلك بوقوفه بجانب الهيئة الإدارية للرفع من مستوى التدبير التربوي والإداري والمالي للمؤسسة، هو الذي يقوم” بدراسة برنامج العمل السنوي الخاص بأنشطة المؤسسة وتتبع مراحل إنجازه، ويبدي رأيه بشأن مشاريع اتفاقيات الشراكة التي تعتزم المؤسسة إبرامها”.

 هذا ويمثل مجلس التدبير السند والدعامة الأساسية لهيئة الإدارة في اتخاذ مبادرات شجاعة تتعلق بمشاريع المؤسسة، سعيا وراء الاستقلالية وتحقيقا لمبدإ اللامركزية. كما تقوم مجالس المؤسسة بدور كبير في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها، إذا ما انتخبت انتخابا ديمقراطيا، وأعضاؤها من رجال تعليم وإدارة وتلاميذ لهم الرغبة والإرادة القويتان في تخطي الواقع المتدني لإيجاد الحلول الملائمة للمشاكل التي تعاني منها المؤسسة التعليمية والمساهمة في الارتقاء بالحياة المدرسية بها.

 * الجمعيات المدرسية:

 من أهم الجمعيات المدرسية في التعليم الثانوي التأهيلي التي بإمكانها تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها نستحضر: جمعية الأنشطة الاجتماعية والتربوية والثقافية، والجمعية الرياضية.

 v جمعية الأنشطة الاجتماعية والتربوية والثقافية:

 تنشط هذه الجمعية في مجالات متعددة، تساعد التلاميذ المعوزين وتلبي حاجياتهم المادية وتقدم للتلاميذ المتعثرين دراسيا حصصا في الدعم والتقوية، وتنظم للمجتمع المدرسي محاضرات وعروضا، وتمنح للتلاميذ المتفوقين جوائز تشجيعية، وغيرها من الأنشطة الاجتماعية والتربوية والثقافية.

 v الجمعية الرياضية:

 تنشط هذه الجمعية في الميدان الرياضي، تنظم المباريات والمسابقات بين الأقسام أو المؤسسات أو بين فرق الأحياء، ويمكن لها أن تقترح عدة أشكال من الشراكة مع الفعاليات الرياضية المحلية أو الجهوية، وحتى الوطنية في مجال تبادل الخبرات و اكتشاف اللاعبين الموهوبين.

 * هيئة التأطير والمراقبة التربوية والمادية والمالية والتوجيه والتخطيط التربوي:

 تقوم هذه الهيئة” بمهام التأطير والتكوين واستكمال التكوين من أجل تحسين جودة التعليم، فتقوم بتتبع الحياة المدرسية وتقويمها بكيفية دائمة ومستمرة”.ودور هذه الفئة في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها لايخفى على أحد إن هي قامت بواجبها سواء على المستوى الديداكتيكي أم التوجيهي للتنشيط التربوي والثقافي.

 * شركاء المؤسسة:

 تسعى المؤسسة المغربية الجديدة إلى أن تكون منفتحة على محيطها بفضل المنهج التربوي الحديث الذي يستحضر” المؤسسة داخل المجتمع والمجتمع في قلب المؤسسة. إذ للمجتمع الحق في الاستفادة من المؤسسة، ومن واجبه المساهمة في الرفع من قيمتها. وفي هذا الصدد يمكن تقسيم شركاء المؤسسة إلى قسمين: شركاء داخليين كالأسرة وجمعية الآباء وأولياء التلاميذ وشركاء خارجيين كالجماعة المحلية والفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وغيرهم.

 * الأسرة وجمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات و التلاميذ:

 يرى دليل الحياة المدرسية أن الأسرة تتدخل” بصفتها معنية بتتبع المسار الدراسي لأولادها ويتم ذلك بكيفية مباشرة، وفي تكامل وانسجام في المدرسة… أما جمعية آباء وأولياء التلاميذ فتعتبر هيئة مساهمة في تنظيم الحياة المدرسية وتنشيطها…”

 لقد أشارت المذكرة الوزارية رقم 28 الصادرة بتاريخ شعبان 1412 الموافق لــ18 فبراير 1992 إلى ضرورة التعاون بين جمعية آباء وأولياء التلاميذ والمؤسسة التعليمية، لأن هذا التعاون ضروري لسعادة التلميذ وخدمة المؤسسة بتفعيلها ماديا ومعنويا، وتحقيق التكامل المنشود بين المؤسسة وهذه الجمعيات. ويتمثل التعاون في المشاركة الفعلية لأولياء التلاميذ في تدبير المؤسسة وصيانتها وتمويلها والحضور عن كثب للاطلاع على مايقوم به فلذات أكبادهم من الأنشطة التربوية التثقيفية، ويتطلب هذا التعاون كسر الحواجز الإدارية والاجتماعية والنفسية بين المؤسسة وجمعيات الآباء…ولابد أن تشارك هذه الجمعيات فعليا في مجلس التدبير قصد مراقبة سلوكيات المتعلمين ونتائجهم، وإبداء الملاحظات حول المناهج والبرامج وتتبع سير المؤسسة وتقديم المساعدات للتلاميذ المتعثرين في دراستهم، وتتبع حالتهم الصحية وتغيباتهم، علاوة على تمثيلهم مركزيا ولا مركزيا، والدفاع عن رغباتهم وطلباتهم المشروعة، والمشاركة في بناء مدرسة سعيدة قوامها الأمل والمواطنة والديمقراطية والإبداع والتجديد التربوي. ولابد من استحضار أولياء التلاميذ وإشراكهم في اتخاذ القرارات الخاصة بالمؤسسة سواء التربوية منها أم المادية وأي إقصاء لهم أو تهميش سينعكس سلبا على المردودية التربوية. فعمل المدرس يبقى قاصرا في القسم مادام لم يكمل في المنزل من قبل المتعلمين تحت مراقبة أوليائهم لتحفيزهم وتشجيعهم.

 ومن خلال هذا يتبين لنا أن دور الأسرة وجمعية الآباء دور مهم وفعال في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها.

 * الجماعة المحلية:

 على الجماعة المحلية أن تعطي الأهمية للمؤسسة التعليمية المتواجدة في حدودها الترابية باعتبارها مصدر تكوين رجال مستقبلها، فالمؤسسة تقوم بإعداد الشباب للحياة العملية المنتجة لفائدة الجماعة. وبناء على هذا الوعي، تقوم الجماعة المحلية بواجبات الشراكة مع المؤسسة والإسهام في مجهود التربية والتكوين.

 * الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون:

 تعمل المدرسة الحديثة على إشراك مختلف الشركاء في تطوير آلية اشتغالها وفي دعم مشاريعها وأنشطتها المختلفة، ويلعب الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون دورا أساسيا في ربط المؤسسة بمحيطها، وتمكين المتعلمين من الاندماج في عالم الشغل مستقبلا، فهم يساهمون في الرفع من مردودية المؤسسة وتكوين أطرها البشرية، وتقديم المساعدات اللازمة المادية والمعنوية، ويشاركون إلى جانب المتدخلين الآخرين في الحياة المدرسية في خلق مدرسة سعيدة مستقلة بإمكانياتها المادية والبشرية، وتقتضي الشراكة عموما” التعاون بين الأطراف المعنية وممارسة أنشطة مشتركة وتبادل المساعدات والانفتاح على الآخر مع احترام خصوصياته”.

 يبدو لنا من خلال استعراض للمتدخلين في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها أن هناك تفاعلا بين مكونات النسق التربوي الداخلي والمحيط الخارجي عبر مكون الشراكة والتمويل والتنشيط، وأن الحياة المدرسية قوامها الانفتاح على المحيط الذي يعد عنصرا أساسيا في الجودة والإصلاح: فتنظيم الأنشطة الثقافية أو الرياضية أو الفنية بالتعاون مع مختلف الهيئات في الحي أو في المدينة التي توجد فيها المدرسة يساعد على إغناء التجربة التربوية. وفي المقابل تقوم المؤسسة بتنظيم أنشطة لفائدة المواطنين في الحي أو المنطقة، فتتحول المؤسسة بذلك إلى مركز ثقافي إشعاعي وتربوي يتسع ليشمل الجهة بأسرها.

 5-أهمية تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها:

 جاء الميثاق الوطني للتربية والتكوين في بلادنا سعيا وراء” تجاوز الحياة المدرسية الرتيبة المنغلقة على نفسها، والتي تعتمد على تلقين المعارف وحشو الرؤوس بالأفكار ومحتويات المقررات والبرامج السنوية، وتهمل التنشيط المدرسي، إلى حياة مدرسية نشطة، يتوفر فيها المناخ التعليمي/ التعلمي القائم على مبادئ المساواة والديمقراطية والمواطنة، حياة مدرسية متميزة بالفعالية والحرية والاندماج الاجتماعي، تثير في المتعلم مواهبه وتخدم ميولاته وتكون شخصيته وتنشطها نشاطا تلقائيا وحرا في وسط اجتماعي قائم على التعاون لا على الإخضاع”.

 وتنص المادة التاسعة من القسم الأول من الميثاق على هوية مدرسة جديدة، هي مدرسة الحياة أو الحياة المدرسية التي ينبغي أن تكون- حسب الميثاق:

 أ‌- “مفعمة بالحياة، بفضل نهج تربوي نشيط، يتجاوز التلقي السلبي والعمل الفردي إلى اعتماد التعلم الذاتي، والقدرة على الحوار والمشاركة في الاجتهاد الجماعي“.

 ب‌- “مفتوحة على محيطها بفضل نهج تربوي قوامه استحضار المجتمع في قلب المدرسة، والخروج إليه منها بكل ما يعود بالنفع على الوطن، مما يتطلب نسج عاقات جديدة بين المدرسة وفضائها البيئي والمجتمعي والثقافي والاقتصادي”.

 ويتبين لنا من خلال هذه المادة التشريعية أن الحياة المدرسية النشطة تتميز بالحرية والمواطنة وحقوق الإنسان والمسؤولية والالتزام والإبداع والمشاركة الفاعلة والعمل في إطار الفريق للخلق والابتكار وتحقيق التنمية الحقيقية الشاملة. و”تتحدد جوانب الحياة المدرسية في إزالة المعوقات المادية والمعنوية التي تحول بين المتعلمين والتعليم، وتوفير أحسن الظروف الميسرة للتعليم، وقيام العملية التعليمية على أساس مشاركة كل الأطراف وتقديم الخدمات التعليمية والتربوية بصرف النظر عن أي اعتبارات خارجية، وتحقيق المساواة بين مختلف المناطق والجهات والبنيات المحلية”.

 ويعني هذا، أن الحياة المدرسية تؤسس مجتمعا ديمقراطيا حرا، ومؤسسة مسؤولة في صنع القرار وتحمل المسؤولية، قصد الدخول في الحداثة وتنمية قدرات الإنسان المغربي.

 يهدف ميثاق التربية والتكوين من خلال تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها إلى التحرر من التصورات المركزية والروتين الإداري والسعي نحو التجديد والتطوير والحداثة والتعلم الذاتي، فتفتق قريحة المتعلم ومخيلته الإبداعية، وتصقل مواهبه عن طريق مشاركته في الأنشطة الرياضية والثقافية والفنية والاجتماعية.

   خاتمة:

 في الأخر مكن القول بأن المدرسة اليوم لم تعد فضاء للتعليم والتلقين منعزلة عن المجتمع، بل صارت مدرسة الحياة وفضاء للسعاة والأمان، يشعر فيها المتعلم بالدفء والحميمية.

 فالمدرسة إذن هي مدرسة المواطنة والإبداع والمشاركة والتنشيط والتفاعل البناء والإيجابي بين كل المتدخلين في الحياة المدرسية، من فاعلين تربويين وشركاء المدرسة الاقتصاديين والاجتماعيين وكل فعاليات المجتمع المدني.

 وإذا كان التنشيط ذا مفهوم عام، يضم الأنشطة الثقافية والفنية والرياضية والإعلامية، والشراكات المادية والمعنوية في تفعيل أدوار الحياة المدرسية، فإنه يساهم في تنمية القدرات الذهنية والجوانب الوجدانية والحركية لدى المتعلم، وتجعله إنسانا صالحا لوطنه وأمته، مبدعا ومبتكرا وخلاقا يهتم بمؤسسته ويغير عليها أيما غيرة، ويساهم في تغيير محيطه الاجتماعي واستدخال الفاعلين الخارجيين والتواصل معهم.

 إن المدرسة التي ينشدها الميثاق الوطني للتربية والتكوين هي التي يتحقق فيها التنشيط بكل مستوياته والاندماج بكل إيجابية واقتناع، وذلك من أجل خلق حياة مدرسية ينعم فيها الفاعلون التربويون بالسعادة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي مقدمتهم المتعلمون الذين يتربون على نبذ العنف والتطرف والانعزالية، ويتبنون مبدأ الحوار البناء والمشاركة الفعالة مع باقي المتدخلين في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها في فضاء المحبة والصداقة، لإقصاء التغريب والتهميش والإقصاء. إنها مدرسة منفتحة على محيطها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، يساهم في تطويرها” كل الأطراف المعنية من جماعات محلية وقطاع خاص ومؤسسات إنتاجية وجمعيات ومنظمات وسائر الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين، دون إغفال دور الآباء والأمهات ومسؤولي الأسر في المشاركة بالمراقبة والتتبع والحرص على المستوى المطلوب”.29

 لاشك أن تضافر جهود كل هذه الأطراف سيخلق مدرسة مفعمة بالحياة، نشيطة ومتطورة، نحن في أمس الحاجة إليها.

 وفي الأخير، نحن نريد متمدرسين نشيطين، وهيئة إدارية نشيطة، وهيئة تدريس نشيطة، ومجالس المؤسسة نشيطة، وهيئة التأطير والمراقبة نشيطة، ونيابة نشيطة، ومجتمع مدرسي نشيط، حتى يشارك الجميع في تفعيل الحياة المدرسية وتنشيطها.

 

بوعزة خطابي
 أستاذ التعليم الابتدائي