قضايا المجتمع

من الرباط إلى الدار البيضاء ثم سطات… إلى متى يظل طلبة الجديدة ضحية قرارات الارتجال في التكوين الطبي؟

الجديدة بريس

في كل موسم جامعي، يترقب أبناء مدينة الجديدة مصيرهم على وقع قرارات متقلبة، وكأنهم مجرد أرقام قابلة لإعادة التوزيع حسب ما تقتضيه الحسابات الإدارية. فمن الرباط إلى الدار البيضاء، وها هم اليوم يوجهون نحو سطات، في وقت كانت فيه الأسر الجديدة تأمل أن يحظى أبناؤها بالاستقرار داخل مؤسسات جامعية ذات تجربة وإمكانيات معروفة، أو أن ترى مشروع كلية الطب والصيدلة بالجديدة يخرج أخيراً إلى حيز الوجود.

وإذا كان أحد لا يعارض توسيع العرض الجامعي وإحداث كليات جديدة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يسبق توفير شروط التكوين الجيد استقبال الأفواج الجديدة من الطلبة، أم أن منطق الأرقام أصبح يتقدم على منطق الجودة؟ فالتكوين الطبي ليس مجالاً يقبل الارتجال، لأن الأمر يتعلق بأطباء الغد، وبصحة المواطنين التي لا تحتمل الحلول المؤقتة.

وتزداد المخاوف مع ما عبرت عنه أصوات طلابية ومهنية من قلق بشأن واقع بعض مؤسسات التكوين الحديثة، التي ما تزال تشتغل في فضاءات مؤقتة ولا تتوفر، بحسب ما ورد في بيانات صادرة في الموضوع، على جميع المقومات الأكاديمية والاستشفائية اللازمة لتكوين طبي يرقى إلى مستوى التطلعات. كما أن الخصاص المسجل في الأطر والأساتذة المؤطرين يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى قدرة هذه المؤسسات على مواكبة الأعداد المتزايدة من الطلبة.

غير أن ما يؤرق ساكنة الجديدة أكثر من غيره، هو استمرار سياسة التهميش التي تطال المدينة وأبناءها، رغم الوعود المتكررة بإحداث كلية للطب والصيدلة بالإقليم، ورغم قدم هذا المشروع الذي ظل حبيس التصريحات والإعلانات دون أن يرى النور. فمدينة بحجم الجديدة، بثقلها الديمغرافي والاقتصادي وموقعها الاستراتيجي، كان من المفترض أن تكون ضمن المدن المؤهلة لاحتضان مؤسسة جامعية من هذا النوع، بدل أن يستمر أبناؤها في تحمل أعباء التنقل والاغتراب.

وما يثير الاستغراب أكثر، هو أن الطلبة الجديديين يجدون أنفسهم اليوم موجهين نحو سطات، في حين كانت الدار البيضاء، بما تتوفر عليه من كلية عريقة ومستشفى جامعي وإمكانيات أكبر، تشكل الوجهة الطبيعية والأقرب جغرافياً إلى الإقليم. وهو ما يدفع العديد من الأسر إلى التساؤل عن المعايير التي تحكم مثل هذه القرارات، وعن مدى أخذ مصلحة الطلبة وجودة تكوينهم بعين الاعتبار.

فمن غير المقبول أن يعيش طلبة الجديدة حالة من عدم الاستقرار سنة بعد أخرى، وأن يجدوا أنفسهم في كل مرة أمام واقع جديد يفرض عليهم دون سابق إنذار. فالأمر لا يتعلق بمجرد تغيير مدينة الدراسة، بل بمسار تكويني طويل وبمستقبل مئات الطلبة الذين يطمحون إلى أن يصبحوا أطباء في ظروف تضمن لهم تكويناً رصيناً يليق بمسؤولية المهنة.

ويبقى السؤال الذي يطرحه الجديديون بإلحاح: لماذا لا تحظى مدينتهم بكلية للطب والصيدلة رغم الوعود المتكررة والحاجة المتزايدة إلى مثل هذا المشروع؟ ولماذا يظل أبناؤها مطالبين بالتكيف مع قرارات متلاحقة، بينما كان الأجدر تقريب التكوين منهم أو على الأقل ضمان استفادتهم من مؤسسات أكثر جاهزية واستقراراً؟

فالحق في دراسة الطب حق مشروع، لكن الحق في تكوين طبي محترم لا يقل أهمية عنه. والمشكل ليس في عدد الكليات التي نفتتحها، بل في نوعية الأطباء الذين سنخرجهم بعد سنوات. أما عندما يتعلق الأمر بصحة المواطنين، فإن الجودة ينبغي أن تكون أولوية مطلقة، لا مجرد تفصيل يمكن تأجيله إلى أجل غير مسمى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى